فخر الدين الرازي
205
القضاء والقدر
وبه خرج الجواب عن السؤال الثاني : وذلك لأنه تعالى أضاف الإضلال إلى السامري ، إضافة الحكم إلى السبب القريب . وموسى صلى اللّه عليه وسلم أضافه إلى اللّه تعالى إضافة الحكم إلى السبب البعيد . والمبدأ الأول لما بينه موسى عليه السلام ، أنه المؤثر الأول ، الذي هو سبب الأسباب ، لا جرم قال تعالى : ( إنك أحكم الحكماء ) ولا يلزم من هذا القدر أن يكون أكثر حكمة من اللّه . وأما قوله ثالثا : « كيف سمع موسى هناك أصوات القوم ؟ فنقول : ذلك الزمان أمكن انخراق العادات . وعندنا لا يبعد أن يخلق اللّه سمعا للإنسان يسمع به الأصوات المتباعدة جدا . وأما قوله رابعا : « هب أنه سمع الأصوات ، فكيف عرف أنهم ضلوا » ؟ قلنا : بالطريق الذي ثبت جواز أن سمع به تلك الأصوات البعيدة ، ثبت أيضا جواز أن يفهم كلامهم . وبهذا الطريق سقطت هذه الكلمات . واللّه أعلم . الحجة السابعة عشر : ما روى أنس . أن النبي عليه السلام قال : « إذا أراد اللّه بعبد خيرا ، استعمله » قيل : فكيف يستعمله يا رسول اللّه ؟ قال : « يوفقه لعمل صالح قبل الموت » « 1 » ووجه الاستدلال بهذا الخبر : هو أن هذا صريح مذهبنا في أن قدرة العبد إن كانت صالحة للعمل الصالح وللعمل الفاسد . فذلك التوفيق ، عبارة عن ترجيح داعية الصلاح على داعية الفساد في قلبه . ثم إنه تعالى اكتفى بذكر هذا التوفيق عن وقوع ذلك العمل الصالح . لأن عند حصول هذا التوفيق يكون حصول الفعل واجبا ، فاستغنى بذكر السبب عن ذكر المسبب . ولو كان تخلف الفعل عن حصول هذا التوفيق ممكنا ، لكان من الواجب أن لا يكتفي بذكر هذا التوفيق عن حصول ذلك الفعل . بل كان ينبغي أن يذكر أن ذلك الفعل . هل حصل أم لا ؟ . الحجة الثامنة عشر : قوله عليه السلام ، حكاية عن رب العزة : « خلقت هؤلاء للجنة ، ولا أبالي ، وخلقت هؤلاء للنار ، ولا أبالي » « 2 » والخصوم حملوه على العلم ، أو على الكتابة في
--> ( 1 ) الحديث رواه الترمذي في القدر باب ما جاء أن اللّه كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار ( 4 / 450 رقم 2142 ) وقال : هذا حديث حسن صحيح . ورواه أحمد في مسنده ( 3 / 106 ، 120 ) ، والحاكم في المستدرك ( 1 / 340 ) ، وابن حبان في صحيحه ( فيض القدير 1 / 257 ) . ( 2 ) رواه أحمد والحاكم عن عبد الرحمن بن قتادة السلمي . بلفظ : « إن اللّه خلق آدم ثم أخذ الخلق من ظهره فقال : هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي » وللحديث روايات كثيرة . وقد روى مالك وأحمد وأبو داود والترمذي والحاكم عن عمر رضي اللّه عنه مرفوعا : « إن اللّه خلق آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون . ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذرية فقال : خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون . . . » وروى مسلم نحوه عن عائشة رضي اللّه عنها مرفوعا بلفظ : « إن اللّه خلق الجنة وخلق النار فخلق لهذه أهلا ولهذه أهلا » وروى أبو يعلى عن أنس رضي اللّه عنه مرفوعا : « إن اللّه قبض قبضة فقال : « هذه إلى الجنة برحمتي وقبض قبضة فقال هذه إلى النار ولا أبالي » وروى أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : خلق اللّه عز وجل آدم حين خلقه فضرب كتفه اليمنى فأخرج ذرية بيضا كأنهم الذر وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سودا كأنهم الحمم -